سيد قطب
3471
في ظلال القرآن
« فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ » . . فالأمر أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى قسم . . « وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ » . . وهذا التلويح بالقسم والعدول عنه أسلوب ذو تأثير في تقرير الحقيقة التي لا تحتاج إلى القسم لأنها ثابتة واضحة . . « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » . . إنه لقرآن كريم . وليس كما تدعون قول كاهن ، ولا قول مجنون ، ولا مفترى على اللّه . من أساطير الأولين . ولا تنزلت به الشياطين ! . . . إلى آخر هذه الأقاويل . إنما هو قرآن كريم . كريم بمصدره ، وكريم بذاته ، وكريم باتجاهاته . « فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ » . . مصون . . وتفسير ذلك في قوله تعالى بعدها : « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » . . فقد زعم المشركون أن الشياطين تنزلت به . فهذا نفي لهذا الزعم . فالشيطان لا يمس هذا الكتاب المكنون في علم اللّه وحفظه . إنما تنزل به الملائكة المطهرون . . وهذا الوجه هو أظهر الوجوه في معنى « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » . ف « لا » هنا نافية لوقوع الفعل . وليست ناهية . وفي الأرض يمس هذا القرآن الطاهر والنجس . والمؤمن والكافر ، فلا يتحقق النفي على هذا الوجه . إنما يتحقق بصرف المعنى إلى تلك الملابسة . ملابسة قولهم : تنزلت به الشياطين . ونفي هذا الزعم إذ لا يمسه في كتابه السماوي المكنون إلا المطهرون . . ومما يؤيد هذا الاتجاه قوله تعالى بعد هذا : « تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » . . لا تنزيل من الشياطين ! وقد روي حديثان يقرران معنى آخر . وهو أن لا يمس القرآن إلا طاهر . . ولكن ابن كثير قال عنهما : « وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره . ومثل هذا لا ينبغي الأخذ به . وقد أسنده الدارقطني عن عمرو ابن حزم وعبد اللّه بن عمر وعثمان بن أبي العاص . وفي إسناد كل منهما نظر واللّه أعلم » . ثم يأتي الإيقاع الأخير في السورة . . لحظة الموت . . اللمسة التي ترجف لها الأوصال . واللحظة التي تنهي كل جدال . واللحظة التي يقف فيها الحي بين نهاية طريق وبداية طريق . حيث لا يملك الرجوع ولا يملك النكوص : « أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ؟ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ . فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ . فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ . تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » . . أفأنتم شاكون في هذا الحديث الذي يقال لكم عن النشأة الآخرة ؛ مكذبون بالقرآن وما يقصه عليكم من شأن الآخرة ، وما يقرره لكم من أمور العقيدة ؟ « وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ » . . فإذا التكذيب هو رزقكم الذي تحصلون عليه في حياتكم وتدخرونه لآخرتكم ؟ وما أسوأه من رزق ! فما ذا أنتم فاعلون إذ تبلغ الحلقوم ، وتقفون في مفرق الطريق المجهول ؟ ثم يصور الموقف التصوير القرآني الموحي ، الذي يرسم ظلال الموقف كلها في لمسات سريعة ناطقة بكل ما فيه ، وبكل ما وراءه ، وبكل ما يوحيه . « فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ » . . لنكاد نسمع صوت الحشرجة ، ونبصر تقبض الملامح ، ونحس الكرب والضيق من خلال قوله : « فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ » . . كما نكاد نبصر نظرة العجز وذهول اليأس في ملامح الحاضرين من خلال قوله : « وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ » . . هنا . في هذه اللحظة . وقد فرغت الروح من أمر الدنيا . وخلفت وراءها الأرض وما فيها . وهي تستقبل